سيد محمد طنطاوي
158
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وأما المسألة الثانية فهي مسألة المقصود بقوله - تعالى - : * ( ولَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ . . ) * وسنسير في تفسير هذه الآيات على الرأي الذي تطمئن إلى صحته نفوسنا ، ثم نذكر بعده بعض الأقوال التي قيلت في هذا الشأن ، ونرد على ما يستحق الرد منه ، فنقول - وباللَّه التوفيق - : المخصوص بالمدح في قوله - تعالى - : * ( نِعْمَ الْعَبْدُ ) * محذوف ، والمقصود به سليمان - عليه السلام - . أي : ووهبنا - بفضلنا وإحساننا - لعبدنا داود ابنه سليمان - عليهما السلام - ونعم العبد سليمان في دينه وفي خلقه وفي شكره لخالقه - تعالى - . وجملة « إنه أواب » تعليل لهذا المدح من اللَّه - تعالى - لسليمان - عليه السلام - أي : إنه رجاع إلى ما يرضى اللَّه - تعالى - مأخوذ من آب الرجل إلى داره ، إذا رجع إليها . و « إذ » في قوله : * ( إِذْ عُرِضَ عَلَيْه بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ ) * منصوب بفعل تقديره : اذكر ، و « عليه » متعلق بعرض و « العشى » يطلق على الزمان الكائن من زوال الشمس إلى آخر النهار . وقيل إلى مطلع الفجر . والصافنات : جمع صافن ، والصافن من الخيل : الذي يقف على ثلاثة أرجل ويرفع الرابعة فيقف على مقدم حافرها . والجياد : جمع جواد ، وهو الفرس السريع العدو ، الجيد الركض ، سواء أكان ذكرا أم أنثى ، يقال : جاد الفرس يجود جودة فهو جواد ، إذا كان سريع الجري ، فاره المظهر . . أي : اذكر - أيها العاقل - ما كان من سليمان - عليه السلام - وقت أن عرض عليه بالعشي الخيول الجميلة الشكل . السريعة العدو . . قال صاحب الكشاف : فإن قلت . ما معنى وصفها بالصفون ؟ قلت : الصفون لا يكاد يوجد في الهجن ، وإنما هو في - الخيل - العراب الخلص وقيل : وصفها بالصفون والجودة ، ليجمع لها بين الوصفين المحمودين : واقفة وجارية ، يعنى إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها ، وإذا جرت كانت سراعا خفافا في جريها . . « 1 » . ثم حكى - سبحانه - ما قاله سليمان - عليه السلام - خلال استعراضه للخيول الصافنات الجياد على سبيل الشكر لربه ، فقال - تعالى - : * ( فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ ) * .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 91 .